هل يجد مواليد 2025 وظيفة في 2045

61,842 مولودًا في 2025، رغم تراجع معدل الإنجاب، يشكّلون اختبارًا لقدرة الاقتصاد العُماني على خلق وظائف بعد عقدين.

🧭 اقتصاد يبدأ بالاستهلاك

كشفت بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في عُمان بنهاية ديسمبر 2025 عن تسجيل 61,842 مولودًا عُمانيًا. هذا الرقم لا يعبّر فقط عن زيادة سكانية خلال عام واحد، بل يرسم مسارًا اقتصاديًا يمتد تأثيره لعقدين قادمين.

فهؤلاء المواليد الجدد يمثلون ما يمكن وصفه بـ«الاستهلاك المسبق للإنتاج» لمدة تقارب عشرين عامًا؛ إذ يرتفع الطلب على الغذاء والكهرباء والمياه والخدمات والدعم الحكومي فورًا، بينما تتأخر مساهمتهم في الناتج المحلي الإجمالي حتى دخولهم سوق العمل.

اقتصاديًا، يبدأ الإنفاق اليوم، ويتأجل العائد الإنتاجي لنحو عشرين عامًا. وإذا لم ينمُ الاقتصاد بوتيرة تتجاوز معدل هذا النمو السكاني، فقد يتعرض نصيب الفرد من الدخل والخدمات لضغط تدريجي نتيجة ما يُعرف بـ«فجوة الإنتاجية» —وهي الحالة التي يرتفع فيها الاستهلاك المحلي قبل أن يتحقق الإسهام الإنتاجي الفعلي للقوى العاملة الجديدة.

فالمولود اليوم يمثل فاتورة إنفاق فورية، وثروة إنتاجية مؤجلة لن تضخ في شرايين الاقتصاد إلا بعد نضجه تعليمياً ومهنياً.

📊 2.8 طفل لكل امرأة

يعزز هذا الارتفاع السنوي دلالة مؤشر 2.8 طفل لكل امرأة، وهو معدل يضع عُمان في منطقة توازن ديموغرافي دقيقة؛ فهو أعلى من مستوى الإحلال السكاني (2.1)، لكنه أقل بكثير من متوسط التسعينات الذي تجاوز 4.5 طفل لكل امرأة عُمانية.

هذا التحول يعكس انتقالًا هيكليًا في المجتمع العُماني؛ إذ أصبحت الأسرة تميل إلى أن تكون أكثر تخطيطًا للإنجاب، لكنه في الوقت ذاته يعني أن كل طفل أصبح استثمارًا أكبر وأعلى كلفة، ما يرفع من أهمية جودة التعليم والتأهيل مستقبلاً.

🔢 الأرقام باختصار

  • 61,842 مولودًا في 2025

  • 2.8 معدل الإنجاب

  • 888,950 عُمانيًا في سوق العمل

  • 431 ألف موظف في القطاع الخاص (+7%)

  • 393,835 موظفًا في القطاع الحكومي (+0.8%)

🏭 من سيشغّل جيل 2045؟

بلغ إجمالي عدد العاملين العُمانيين بنهاية 2025 نحو 888 ألفًا و950 موظفًا. وتُظهر البيانات تحولًا في هيكل التشغيل، حيث استحوذ القطاع الخاص على النصيب الأكبر بـ 431 ألف موظف، وبنمو سنوي بلغ 7%، متجاوزًا القطاع الحكومي الذي سجل 393 ألفًا و835 موظفًا بزيادة محدودة بلغت 0.8%.

هذا التحول إيجابي من زاوية الاستدامة المالية، لكنه يضع مسؤولية أكبر على القطاع الخاص ليكون المشغّل الرئيسي لجيل 2045، بعيدًا عن تضخم فاتورة الرواتب الحكومية وضغوط المالية العامة.

🌍 نافذة ديموغرافية لكنها مشروطة

على المستوى الهيكلي، يمنح هذا النمو السكاني عُمان ما يُعرف بـ«النافذة الديموغرافية»، وهي فرصة تفتقدها اقتصادات متقدمة دخلت مرحلة الشيخوخة وتراجع القوى العاملة، مثل اليابان وإيطاليا وكوريا الجنوبية. غير أن هذه النافذة ليست مكسبًا تلقائيًا؛ فهي مشروطة بقدرة الاقتصاد على خلق وظائف منتجة تواكب حجم الداخلين إلى سوق العمل.

🗺 أين ستُخلق الوظائف؟

تتركز الكتلة العاملة في محافظة مسقط بنحو 202 ألف عامل، تليها شمال الباطنة بـ 168 ألفًا. أما استيعاب جيل المواليد الجدد فيتطلب توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي في بقية المحافظات، لضمان توزيع متوازن للفرص وتقليل الضغوط الناجمة عن الهجرة الداخلية.

كما أن تزايد أعداد كبار السن (60 سنة فأكثر) بوتيرة ثابتة، مقابل تقلص تدريجي لنسبة الفئة العمرية (0–14 سنة)، ينذر باختلال مزدوج: ضغط على سوق العمل للشباب، وضغط متصاعد على الرعاية الصحية لكبار السن.

وهنا يصبح رفع إنتاجية الفرد الواحد ضرورة اقتصادية، لأن عدد العاملين الفعليين سيُطلب منهم دعم شريحتين في آنٍ واحد: الشباب الداخلين للسوق وكبار السن الخارجين منه.

⏳ اختبار 2045

بحلول عام 2045، سيتحول الـ61 ألف مولود الحاليون إلى باحثين عن عمل، واضعين سياسات التوطين أمام اختبار حقيقي.

نجاح هذه المرحلة يتوقف على ترسيخ قطاعات إنتاجية غير نفطية قادرة على الابتكار والمنافسة عالميًا. فإذا استُثمرت النافذة الديموغرافية بفاعلية كما فعلت اقتصادات صاعدة مثل فيتنام والهند يمكن أن تتحول هذه الكتلة السكانية إلى قوة دافعة للنمو.

أما في حال غياب المواءمة بين النمو السكاني والفرص الاقتصادية، فقد تتسع الفجوة بين تطلعات الشباب والواقع المتاح، خصوصًا في المحافظات الأقل نشاطًا اقتصاديًا مثل الوسطى ومسندم.

الخلاصة

61,842 مولودًا في عام واحد ليسوا مجرد رقم ديموغرافي، بل معادلة اقتصادية بدأت آثارها بالفعل. هم زيادة فورية في الطلب على الخدمات، واستحقاق مؤجل في جانب العرض الإنتاجي.

وفي 2045، سيكون هذا الجيل في قلب الدورة الاقتصادية — موظفين، رواد أعمال، ودافعي ضرائب. آنذاك، لن يُقاس أثرهم بعددهم، بل بقدرتهم الإنتاجية وجودة مهاراتهم.

التحدي لا يتعلق بحجم السكان بقدر ما يتعلق بكفاءة السياسات في تحويل هذه الهبة الديموغرافية إلى رأس مال بشري فعلي. فإذا أُحسن الاستثمار في تعليمهم وصحتهم وتأهيلهم ضمن اقتصاد مرن قادر على خلق وظائف منتجة، تحولت الزيادة السكانية إلى محرك نمو مستدام يعزز المالية العامة وتنافسية الدولة.

أما إذا تأخر الاستعداد، فستظل مجرد ضغط إضافي على الإنفاق دون عائد إنتاجي مكافئ.

نشرة القصة
نشرة القصة
📩 نشرة أسبوعية من معمل القصة

نشرة من معمل القصة، ترصد الأحداث وتشرح سياقاتها الزمنية، لتمنحك فهماً أعمق.