كيف يُنتج الاقتصاد 50 ألف وظيفة 🇴🇲

تستهدف عُمان توفير 700 ألف وظيفة، منها 300 ألف للعُمانيين خلال السنوات الخمس المقبلة.

نحو 140 ألف وظيفة سنوياً، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ سوق العمل العُماني الحديث.
نحو 140 ألف وظيفة سنوياً، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ سوق العمل العُماني الحديث.

مطلع يناير من هذا العام، وضعت عُمان ملف التشغيل في صدارة الخطة الخمسية الحادية عشرة. الرقم المعلن، 700 ألف وظيفة، يعكس حجم الرهان الاقتصادي خلال السنوات الخمس المقبلة؛ إذ نتحدث عند تقسيمه زمنياً عن نحو 140 ألف وظيفة سنوياً، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ سوق العمل العُماني الحديث.

لكن القراءة التفسيرية تنقل السؤال من «العدد» إلى «القدرة»: هل الاقتصاد العُماني قادر على إنتاج دخل جديد يمكّنه من خلق فرص عمل بهذا الحجم بصورة مستدامة؟ الوظيفة في أي اقتصاد ليست قراراً أو توقعاً إدارياً، بل هي نهاية سلسلة تبدأ بالاستثمار، ثم الإنتاج والطلب، ثم الربحية والتوسع، وصولاً إلى التوظيف. وبدون حركة هذه السلسلة، قد يظهر «إنجاز عددي»، لكنه يفتقر للقاعدة الصلبة التي تحمله بعد عامين أو ثلاثة.

سياق سوق العمل 🇴🇲

وحتى لا يبقى النقاش أسيراً للرقم وحده، تساعد المقارنة التاريخية على وضع الهدف في سياقه؛ فالخطة الخمسية العاشرة (2021–2025) وفرت 175 ألف فرصة وظيفية، أي ما يقارب 35 ألفاً سنوياً. أما خطة (2026–2030) فتستهدف 300 ألف فرصة في القطاعين العام والخاص بمعدل 60 ألفاً سنوياً، منها 10 آلاف في القطاع الحكومي و50 ألفاً في القطاع الخاص. هذا يعني أن التحدي الحقيقي يكمن في رفع القدرة السنوية للسوق، وبالأخص قدرة القطاع الخاص على توليد وظائف متكررة عاماً بعد عام.

يصبح التمييز بين «الوظائف الحقيقية الجديدة» و«إعادة التدوير» ضرورة لفهم واقع الأرقام؛ فالوظائف الصافية تعني أن الاقتصاد كبر فعلياً من خلال إنتاج أكثر، وطلب أعلى، وشركات جديدة أو توسعات قائمة. أما إعادة التوزيع فتعني تغييراً في التركيبة دون زيادة حجم النشاط، مثل إحلال عامل مكان آخر، أو الانتقال داخل الكتلة الاقتصادية نفسها. ورغم أن إعادة التوزيع جزء من الإصلاح، إلا أنها لا تكفي لبلوغ أرقام كبيرة ما لم يصاحبها توسع في الدخل والنشاط يخلق «مساحة جديدة» للتوظيف.

الخطة الخمسية العاشرة (2021–2025) وفرت 175 ألف فرصة وظيفية، أي ما يقارب 35 ألفاً سنوياً
الخطة الخمسية العاشرة (2021–2025) وفرت 175 ألف فرصة وظيفية، أي ما يقارب 35 ألفاً سنوياً

رهان القطاع الخاص 💼

وتزداد أهمية هذا التمييز حين نلاحظ أن الحديث لا يقتصر على رقم 700 ألف بوصفه عنواناً واسعاً، بل يتضمن هدفاً أكثر قابلية للقياس: نحو 300 ألف فرصة عمل مباشرة للعُمانيين في القطاعين العام والخاص بواقع 60 ألف فرصة سنوياً، مع التعويل على تنظيم سوق العمل والتشغيل لصالح العمالة الوطنية عبر السياسات والتشريعات. وهنا يتقدم سؤال التعريف على سؤال الإنجاز: ما المقصود بـ«فرصة» داخل الرقم الكبير؟ وهل هي إضافة صافية ناتجة عن توسع حقيقي، أم أن جزءاً معتبراً منها مجرد حركة داخل السوق؟

وفق هذا المنطق، تصبح الساحة الأساسية هي القطاع الخاص؛ فالحكومة وحدها لا تملك القدرة على حمل معدل سنوي بهذا الحجم. والقطاع الخاص بطبيعته لا يوظف لمجرد الاستجابة للطلب، بل حين يرى فرصة حقيقية للربح والنمو.

هنا يتحول دور السياسات من إعلان الأهداف إلى تعديل «معادلة القرار» داخل الشركة، عبر توفير تدريب موجه لاحتياج فعلي، وضمان كلفة توظيف قابلة للتحمل، وتقديم حوافز مرتبطة بالأداء. وعندما تصبح هذه المعادلة مربحة ومستقرة، يتحول التوظيف من مجرد استجابة ظرفية لضغوط معينة إلى توسع طبيعي ومستدام.

 نوع الاستثمار هو الذي يحدد قدرة الاقتصاد على تحويل النمو إلى وظائف حقيقية.
نوع الاستثمار هو الذي يحدد قدرة الاقتصاد على تحويل النمو إلى وظائف حقيقية.

ماكينة الوظائف الصغيرة ⚙️

يبرز الاستثمار هنا باعتباره «الوقود» الذي يحرك هذه السلسلة، لكنه ليس كتلة واحدة؛ فهناك استثمارات ترفع الناتج المحلي دون أن تخلق وظائف كثيرة لكونها كثيفة رأس المال، مقابل استثمارات أخرى تفتح فرصاً أوسع لأنها تتطلب تشغيلاً مستمراً وسلاسل إمداد وخدمات محلية. لذا، السؤال الجوهري ليس "كم استثمرنا؟» بل «في أي قطاعات؟» وهل يفتح هذا الاستثمار الباب أمام شركات محلية لتتوسع وتوظف، أم يظل أثره محصوراً في نطاق ضيق؟ فنوع الاستثمار هو الذي يحدد قدرة الاقتصاد على تحويل النمو إلى وظائف حقيقية.

ويأتي عامل المهارة بعد ذلك كشرط تنفيذ حتمي لا ترفاً؛ إذ تتجه معظم الوظائف الجديدة نحو تشغيل أكثر تخصصاً بمعايير أعلى ومكون رقمي يتغلغل في مختلف القطاعات. وإذا لم تتواكب منظومة التعليم والتدريب مع هذا التحول، ستظل هناك فجوة بين احتياجات السوق والكفاءات المتوفرة، وعندها يتحول التوظيف إلى حالة من الاحتكاك الدائم بين «المطلوب» و«المتاح»، بدلاً من أن يكون تطابقاً طبيعياً بين مهارة الفرد وفرصة العمل.

تعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة محركاً حيوياً للوظائف في أي اقتصاد، لكنها تظل الحلقة الأكثر عرضة للتعثر؛ وكل إخفاق هنا لا يعني مجرد خسارة مشروع، بل فقدان وظائف قائمة واضطراراً لإعادة إنتاج الفجوة سنوياً. لذا، لا ينبغي أن يقتصر دعم هذا القطاع على ضخ التمويل فقط، بل يجب أن يمتد لبناء الاستدامة عبر ربط هذه المؤسسات بسلاسل توريد المشاريع الكبرى، وتحسين بيئة أعمالها، وتحويل وظائفها إلى جزء من عقود مستمرة ومستقرة.

في المحصلة، لا يمثل رقم 700 ألف وظيفة مجرد مستهدف إحصائي، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد على توسيع قاعدة دخله ورفع إنتاجيته. معيار النجاح لا يتوقف عند عدد التعيينات المسجلة، بل في الإجابة عن أسئلة جوهرية: هل يرتفع التوظيف الصافي في القطاع الخاص فعلياً؟ وهل تتوسع الشركات لأنها تحقق ربحاً ونمواً ذاتياً، أم لأنها تستجيب لضغوط التوجيهات والإجراءات؟ فإذا كان النمو نابعاً من قوة السوق، سيصبح الرقم نتيجة منطقية لمسار اقتصادي متين، أما إذا غابت هذه القوة، فسيتحول الرقم إلى عبء إضافي على سوق يحاول التكيف مع هدف يتجاوز قدراته الراهنة.

✍️ إنتاج: عائشة العبري
🖼️ الصورة من إنتاج ميدجورني

📲 يمكنك قراءة المزيد من القصص عبر حسابنا في إنستغرام:
http://instagram.com/alqissahom

نشرة القصة
نشرة القصة
📩 نشرة أسبوعية من معمل القصة

نشرة من معمل القصة، ترصد الأحداث وتشرح سياقاتها الزمنية، لتمنحك فهماً أعمق.